السرطان: الإعدام في العصر الحديث

تمضي بنا الأيام والسنون ونحن نعيش على أرض الله الواسعة، متأملين مستقبلا مبهرا، وحياة رغيدة، وأبناء صالحين، وصحة شبابية تدوم. ومن ثم نجلس ونتأمل حال هذه الدنيا، فنغير من توقعاتنا، ونستعد نفسيا إلى مرحلة ما بعد الشباب، وما يأتي بعدها من ازدياد الأمراض علينا مثل أمراض المفاصل والقلب والرئة والسرطان، ولعل بعضنا يتوقع أن يبدأ بزيارة الطبيب بشكل متزايد من عمر الأربعين. هذه هي الحياة التي نعيشها بعد أن من الله علينا بنعم كثيرة مثل الأمن والأمان والصحة وسعة الرزق – مقارنة بالدول الأخرى – وولاة الأمر المحبين لشعبهم ولمسؤوليتهم، والتعليم… الخ. وما اعتدنا أن يشوب هذا الأمر شيء، فحياتنا مستقرة كجونا الذي اعتدنا أن يكون “صحوا مشمسا”.

ثم يأتي ذلك اليوم ليسمع أحد الأشخاص خبرا طالما لم ينتظره، ولم يتشوق إليه أبدا، وهو خبر مرض شخص عزيز عليه بالسرطان – عافانا وعافاكم الله منه – فتنقلب حياته إلى بؤس وحزن، وكأنما حكم على من يحب بالإعدام.

نعم، فمرض السرطان ليس كغيره من الأمراض التي تباغتك لتقتلك فجأة، وليست من الأمراض التي يمكن علاجها بسهولة. مرض السرطان أمر وأقسى على كل فرد من ذلك، فهو يأتي على شكل خبر ينقله لنا أحد الأطباء كقرار نهائي بعد الاطلاع على الأدلة والبراهين، ليعلمك بصدور الحكم النهائي: السرطان، ويتوجب على من حكم عليه بالسرطان الحبس لمدة تتراوح بين الأشهر والأعوام خلف قضبان المستشفيات وغرف العلاج، يتعذب فيها المريض بسبب تلقيه أنواع العلاج الأليمة، ويحقن بالكثير من الإبر التي هي “محظورة” لتشخيصها كالمواد المخدرة. بينما يتدافع أهله وأقرباؤه ليلتمسو العفو من الكريم الشافي – سبحانه وتعالى – ويتضرعون إليه بالدعاء، لعله يجيب دعاءهم ويشفي مريضهم مما نزل عليه من حكم بالموت.

تمر الأيام، والشهور، والسنوات، بينما تنطفئ شعلة الأمل باطلاق سراحه وإبراء ذمته شيئا فشيئا. حتى إذا حانت ساعة الصفر، رأيت الناس قد أعدوا العدة لوداعه وهم يبكون على ما جرى له من حال، ويلتمسون الله أن ينزل عليهم بمعجزة من السماء ليشفيه كما شافى أيوب -عليه السلام- مما ابتلاه.

لقد انخفضت عدد الدول التي تطبق حكم الإعدام من 41 دولة في عام 1995 إلى 20 دولة في عام 2012 (رابط)، ولكن – بناء على احصائيات منظمة الصحة العالمية – فقد ازدادت أعداد الوفيات بسبب مرض السرطان في العالم ليقتل أكثر من 8 ملايين إنسان في عام 2012 (رابط)، كما يتوقع أن يزداد أعداد مرضى السرطان من 14 مليون في 2012 إلى 22 مليون (زيادة 70%) خلال العقدين القادمين.

السرطان، مرض لا يعرف عمرا، فهو منتشر بين الكبار والصغار، ولعل الشريحة أدناه من التقرير السنوي لهيئة الصحة بأبوظبي تبين لكم توزيع الوفيات (وليس المشخصين) بسبب السرطان(رابط)

HAAD Cancer statistics 2013

 

لا أظنكم بحاجة لمن يرشدكم إلى طرق الوقاية منه سواء كان عبر الابتعاد من المواد الكيميائية في حياتنا اليومية قدر المستطاع، أو أي طريقة أخرى. ولكنها دعوة للتأمل، حتى يعتبر بها من يعتبر. فالحياة مليئة بالمتاعب، ولكنها لا تستحق منك كل الحزن، وإن لم تستطع فاذهب وقابل أحد مرضى السرطان ليذكرك بقيمة حياتك، وصحتك، وابتسامتك الغير مصطنعة.

ولعلها طبيعة الحياة، أن نفقد من نحب بشتى الأسباب، وإن كانت بعض الطرق أقسى من الأخرى؛ فحكم مثل هذا لا يمكننا لومه على قاض ظالم، أو متهم كاذب، ولكننا نسعى إلى الدعاء للمريض لعل الله أن يشفيه، وإن لم يكن ذلك، فلعلها فرصتنا لترك آخر الذكريات الجميلة، قبل ساعة الصفر.

 

اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، واكتب لنا سعادة الدارين

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

جميع الحقوق محفوظة. المقالات في بعص الأحيان بحاجة إلى خيال واسع. المقالات هنا لا تعكس توجهات معينة أو آراء معينة، بل هي مقالات تسعى إلى توسيع أفق القارئ إلى عوالم أخرى.